رغم الصورة الوردية التي تُقدَّم عن السويد كواحدة من أكثر دول العالم رفاهًا وسعادة، تكشف معطيات جديدة عن واقع مقلق يعيشه الشباب. فالفئة العمرية بين 18 و24 عامًا باتت تُسجّل أدنى مستويات الرضا عن الحياة، مقابل ارتفاع واضح في القلق، والشعور بالوحدة، وفقدان المعنى.
الدراسة السويدية الحديثة، التي حملت عنوان Flourishing in Sweden: Great overall – but not for all، ترسم مفارقة صادمة: مجتمع مستقر اقتصاديًا وآمن اجتماعيًا، لكن شريحة الشباب فيه تشعر بأنها الأقل حظًا نفسيًا ووجوديًا مقارنة ببقية الفئات العمرية.
الباحث لويس دي ميراندا، الأستاذ المشارك في أخلاقيات الطب في جامعة أوبسالا، يؤكد أن هذه النتائج لا يمكن اختزالها في تذمّر عابر. برأيه، ما يجري هو مؤشر على خلل أعمق في بنية المجتمع نفسه. ويقول إن السويد “نجحت في بناء نظام يعمل بكفاءة عالية، لكنه لا يمنح الجميع إحساسًا بأن الحياة تستحق أن تُعاش”.
شباب أقل سعادة… رغم كل شيء
الأرقام تُظهر أن الشباب السويديين يحققون أدنى الدرجات تقريبًا في مؤشرات السعادة، والتوازن النفسي، والشعور بالأمان، مقابل تسجيلهم أعلى معدلات الضغط النفسي والوحدة. والمفارقة تزداد وضوحًا عند مقارنتها دوليًا، إذ يبيّن تقرير السعادة العالمي أن السويد من بين سبع دول فقط تكون فيها الفئة تحت سن الثلاثين هي الأقل رضا عن حياتها.
ولو تم احتساب ترتيب “الدول الأسعد” بناءً على تقييم الشباب وحدهم، لتراجع موقع السويد من المراكز الأولى عالميًا إلى مراتب متأخرة تقارب المركز الثلاثين.
وحدة من نوع آخر
اللافت، بحسب دي ميراندا، أن هذه الوحدة ليست اجتماعية بالمعنى التقليدي. فالكثير من الشباب يملكون شبكات علاقات وأصدقاء، لكنهم يعانون مما يسميه “الوحدة الوجودية” — أي غياب الإحساس بالهدف والاتجاه والمعنى.
ويشرح أن المجتمع السويدي، رغم قوته التنظيمية وفردانيته العالية، لا يوفّر مساحة كافية للأسئلة الكبرى: لماذا نعيش؟ وإلى أين نتجه؟ ومع تراجع الأطر التقليدية التي كانت تمنح الإنسان معنى، كالدين أو المشاريع الجماعية الكبرى، بات البحث عن المعنى عبئًا فرديًا ثقيلًا.
كبار السن أكثر تصالحًا
في المقابل، تُظهر النتائج أن كبار السن في السويد يتمتعون بدرجات أعلى من الرضا والاستقرار النفسي. ويعزو الباحث ذلك إلى قدرتهم على تقبّل حياتهم ككل متكامل، وتحررهم من ضغط الإنجاز المستمر، وهو ما ينسجم مع ما يُعرف بنظرية “التحول الوجودي مع التقدم في العمر”.
ويصف دي ميراندا الوضع الراهن بأنه “اعتلال فلسفي”: حياة تبدو ناجحة من الخارج، لكنها تفتقر إلى التماسك في العمق. ويرى أن الحل لا يكمن في المزيد من البرامج السطحية أو الأنشطة الفردية، بل في فتح نقاش مجتمعي واسع حول المعنى والغاية.
ويختم بالقول: “السويد بحاجة إلى أن تُكمل دولة الرفاه بثقافة تُجيب الناس عن سؤال: لماذا نعيش؟ وليس فقط كيف نعيش.”
المصدر السويدي: Aftonbladet






