كاتب سويدي يقرّ بمرارة: “السويد لم تعد كما كانت…

في مقالٍ أثار جدلاً واسعًا في صحيفة Expressen، كتب أحد أبرز الكتّاب السويديين تحليلاً قاسياً عن واقع بلاده الرقمي، مؤكدًا أن السويد، التي لطالما اعتُبرت رمزاً للابتكار والتكنولوجيا، تعيش اليوم حالة تراجع خطيرة جعلتها “الابن الريفي المتأخر” مقارنة بدول صغيرة مثل إستونيا وفنلندا.


من القمة إلى القاع

يرى الكاتب أن السويد التي كانت تتفاخر بمؤسساتها الرقمية منذ التسعينيات، أصبحت اليوم خارج سباق الرقمنة الحقيقية، إذ تتراجع في معظم التصنيفات الدولية الخاصة بالتحول الرقمي الحكومي، بل احتلت في بعض الأعوام المراتب الأخيرة تماماً.
ويضيف أن دولاً صغيرة مثل إستونيا، التي خرجت من عباءة الاتحاد السوفيتي بموارد محدودة، تجاوزت السويد بمسافات كبيرة بفضل بساطة أنظمتها الرقمية وسرعة تكاملها.


إستونيا… حين صنعت الفقر معجزة رقمية

يشرح الكاتب كيف استطاعت إستونيا أن تبني نظاماً رقمياً موحداً رغم فقرها في التسعينيات، عندما قررت بناء بنيتها الرقمية من الصفر باستخدام الحواسيب الصغيرة بدلاً من الأنظمة المكلفة.
واليوم، يستطيع المواطن الإستوني القيام بكل معاملاته عبر بوابة واحدة: التسجيل في المدارس، دفع الغرامات، الاطلاع على الأشعة الطبية، وحتى تقديم طلب الطلاق إلكترونيًا بالكامل منذ عام 2024.
بل إن النظام يُنجز تلقائيًا تحديث بطاقة الهوية بعد الزواج أو الولادة دون أي استمارة أو مراجعة.


السويد… عملاق مالي بديناصورات رقمية

في المقابل، تعاني السويد — بحسب المقال — من إخفاقات ضخمة كلّفتها مليارات الكرونات، مثل انهيار مشروع منصة المدارس الوطنية، وفشل نظام الرعاية الصحية الإلكتروني Millennium، وانهيار مشروع رقمنة الرعاية في فاسترا يوتالاند الذي كلّف 11 مليار كرونة دون نتيجة تُذكر.
الكاتب شبّه هذه الإخفاقات بـ”هدم جسرٍ كلف بناؤه مليارات ثم انهار قبل أن يُستخدم”.


أسباب التراجع

1. عقدة النجاح القديم

السويد كانت من أوائل الدول التي رقمنت اقتصادها، لكنها بقيت عالقة في أنظمة متهالكة من القرن الماضي ولم تُجدّد بنيتها منذ عقود.

محتوى مرتبط:  إيطاليا تسبق أوروبا بقانون شامل للذكاء الاصطناعي…

2. الهيكل الإداري المتجمد

كل مؤسسة حكومية تعمل بمعزل عن الأخرى، بأنظمة مختلفة لا تتكامل فيما بينها، حتى أصبحت البلاد “مجموعة جزر رقمية” لا يجمعها رابط.

3. غياب الإرادة السياسية

بينما بنت إستونيا وفنلندا استراتيجيات وطنية موحدة للرقمنة، غارقت السويد في صراعات سياسية ومشاكل الرعاية الصحية، والهجرة، وأزمات العصابات، مما أبعد الاهتمام عن التحديث الرقمي.

4. الثقة الزائدة بالنفس

السياسيون في السويد، بحسب الكاتب، يعيشون على أمجاد الماضي، ظانّين أن وجود شركات مثل سبوتيفاي وإريكسون كافٍ لجعل السويد “دولة رقمية متقدمة”، في حين أن هذه الشركات خاصة وليست جزءاً من منظومة الدولة.


مفارقة لافتة

بينما تُطلق إستونيا اليوم مشروع “المساعد الرقمي بالذكاء الاصطناعي” لإنجاز معاملات المواطنين فورياً، لا تزال السويد تعاني لتشغيل منصات أساسية وتعود إلى نظام المقابلات الشخصية في مؤسسات مثل مكتب العمل.


خاتمة الكاتب: “الاعتراف أول طريق الإصلاح”

اختتم الكاتب مقاله قائلاً:

“لن نتقدم خطوة واحدة حتى نعترف أننا نتراجع. السويد اليوم ليست كما كانت، فغرور السياسيين وبيروقراطية المؤسسات جعلتنا دولة تصنع مشاكلها بنفسها.”

وأضاف أن المقيمين في السويد يلمسون هذا الواقع يومياً في بطء الخدمات الإلكترونية، وتعقيد الإجراءات الصحية والتعليمية، في وقتٍ تواصل فيه دول البلطيق الصغيرة القفز إلى المستقبل بينما تبقى السويد أسيرة الماضي.

المصدر: صحيفة Expressen السويدية