لم تعد السويد كما كانت قبل عقدٍ من الزمن. الدولة التي طالما عُرفت بسخائها الاجتماعي وانفتاحها على اللاجئين، أصبحت أكثر تشدداً وأقل تسامحاً، وسط تصاعد خطاب سياسي حادّ يُحمّل المهاجرين مسؤولية أزمات البلاد.
في السنوات الأخيرة، تحوّل مفهوم “الاندماج” من مجرّد تعلم اللغة والعمل إلى التزام صارم بالقيم السويدية، ثم إلى مطالبةٍ ضمنية بتنازل المهاجرين عن بعض ملامح ثقافاتهم الأصلية إن تعارضت مع ما يُعتبر “قيم المجتمع”. وهكذا صار الاندماج معادلة بلا نهاية، تتغيّر بحسب اتجاه الرياح السياسية.
تحت حكم حكومة يمينية مدعومة من حزب “ديمقراطيو السويد” المتطرف، تضاعف الخطاب العدائي ضد المهاجرين، حتى بات كثيرون يرونهم سبباً لكل مشكلة اقتصادية أو اجتماعية. لكن في الجهة الأخرى، لا تزال أصوات سويدية تذكّر بأن المهاجرين هم العمود الفقري لقطاعات العمل الحيوية، وأن رفاه السويد لم يكن ليستمر لولا جهودهم.
من بين هؤلاء المهاجرين، الشاب فرزان موزافري من أقلية الهزارة في أفغانستان، الذي وصل إلى السويد وحيداً عام 2015 وهو في السادسة عشرة من عمره، باحثاً عن الأمان. قطع طريقاً مليئاً بالموت والخطر عبر إيران وتركيا واليونان قبل أن يصل إلى الشمال الأوروبي. وعندما وطئت قدماه أرض السويد، ظنّ أنه نجا أخيراً، لكن الواقع كان مختلفاً.
يقول فرزان: “السويد التي استقبلتني بالأمس تغيّرت اليوم. نظرة الناس والسلطات لم تعد كما كانت”. فبعد تحقيق قاسٍ من مصلحة الهجرة، نُقل إلى منطقة ريفية قرب فالينتونا، حيث بدأ يتعلم اللغة ويكافح لبناء مستقبله. أنهى دراسته خلال عامين فقط، وأتقن السويدية بسرعة لافتة، لكنه عاش قلقاً متواصلاً بانتظار قرار اللجوء.
حين حصل على الإقامة شعر بالفرح والحزن معاً، لأن أربعة من أصدقائه في السكن رُفضت طلباتهم وطُلب منهم المغادرة. “كانوا كإخوتي، ووداعهم كسر شيئاً بداخلي”، يقول فرزان بأسى.
رغم ذلك، واصل طريقه بثبات. عمل في منظمة Right by Me التي تدعم الشباب من خلفيات أجنبية لدخول سوق العمل، ثم التحق بالجامعة. يعيش اليوم وحيداً، بعيداً عن أسرته في أفغانستان، لكنه يعتبر السويد بيته الجديد رغم كل ما تغيّر فيها.
تشير بيانات هيئة الإحصاء السويدية إلى أن نحو 20 ألفاً من أصل 35 ألف طفل قدموا إلى السويد بمفردهم عام 2015 لا يزالون يعيشون فيها اليوم، وقد اندمج معظمهم في التعليم والعمل، وهو إنجاز رغم كل العراقيل.
لكن المخاوف تتجدد مع مقترح الحكومة الأخير لإلغاء الإقامات الدائمة، الذي يراه فرزان تهديداً مباشراً لاستقرار المهاجرين، إذ يجعلهم يشعرون بأنهم ضيوف مؤقتون في وطن ساهموا في بنائه.
ويختم فرزان حديثه قائلاً:
“أنا لا أكره السويد، بل أحبها لأنها صارت جزءاً مني… لكن السويد اليوم ليست السويد التي عرفناها قبل عشر سنوات.”






