شهادة اعتزاز… من عراقي عاش أربعة عقود في السويد إلى أشقائه السوريين

ثمانية وثلاثون عاماً عشتها في السويد. أربعة عقود رأيت فيها هذا البلد يتغير، يكبر، ويواجه ما لم يكن في الحسبان… ووسط كل تلك التحولات، بقيت هناك حقيقة تستحق أن تُقال بصراحة:
إن الجالية السورية في السويد صنعت فرقاً لا يمكن تجاهله.

أنا رجل خبر طرقات هذا المجتمع طويلاً، أعرف كيف تبدأ الهجرة: بداية مُربكة، ثقيلة بالمسؤوليات، مشبعة بالخوف من المجهول. ومع ذلك، شاهدت السوريين — بعيني لا عبر روايات — ينتقلون من مرحلة النجاة إلى مرحلة النهضة… نهضتهم هم، ونهضة الأماكن التي وصلوا إليها.

السوريون لم يندمجوا فقط.
بل نفخوا في الحياة السويدية روحاً جديدة.

كثير من المدن السويدية تغيّرت ملامحها بفضل شباب سوريين عرفوا كيف يحوّلون الفرص الصغيرة إلى إنجازات كبيرة. من ستوكهولم إلى يوتبوري إلى مالمو، باتت محالهم وأسواقهم ومطاعمهم محطات حيوية تضيف دفئاً وطعماً وحركة لأحياء كانت خاملة أكثر مما ينبغي.

من منّا لم يتذوق المخبوزات السورية التي أصبحت جزءاً من مزاج السويديين؟
من لم يرَ أبناء سوريا يعملون بتفانٍ في المستشفيات، وورش البناء، ووسائل النقل، وشركات التكنولوجيا، والمتاجر الصغيرة؟
من لم يلحظ أن نسبة كبيرة من المشاريع الجديدة التي تفتتح اليوم يديرها شباب جاؤوا من بلد أنهكته الحرب، لكنهم لم يسمحوا للحرب أن تهزمهم؟

الحقيقة التي أسجلها هنا — شهادة للتاريخ — أن السوريين لم يأتوا ليأخذوا فقط.
بل أعطوا. وبكرم.

أعطوا عملاً. وطاقة. وشغفاً.
أعطوا اقتصاداً حركته الأيدي المتعبة والإرادة العنيدة.
أعطوا نموذجاً لعزيمة لا تنكسر.

نحن العرب، أينما كانت جذورنا، نملك الكثير حين تُفتح لنا الأبواب.
والسوريون في السويد أثبتوا ذلك بشكل لا يحتاج إلى مجاملات أو شعارات… بل بأداء واقعي، ملموس، يراه كل من يعيش هنا.

محتوى مرتبط:  السويد على الحافة الرقمية: هل التحول إلى مجتمع بلا نقود أصبح خطراً حقيقياً؟

ولذلك أقولها بوضوح:
لقد أعاد الأشقاء السوريون الروح إلى شوارع كثيرة في السويد.
ولأن الحق يجب أن يُقال… ولأن الإنصاف واجب… ولأن هذه الجالية تستحق كلمة تقدير، أكتب هذه الرسالة.

يا أبناء سوريا،
مررتم بسنوات قاسية، وواجهتم خسائر لم يكن احتمالها سهلاً، لكنكم أثبتم أن الإنسان القوي قادر على النهوض مهما اشتدت عليه الضربات. واليوم أنتم تبنون مستقبلاً جديداً في بلد جديد، وتقدمون مثالاً في الإصرار والنظافة والاحترام والعمل الشريف.

من قلب عراقي عاش 38 عاماً هنا:
أرفع قبعتي لكم.
وأشعر بالفخر بكم.
وأؤمن أن السويد محظوظة بكم.

ولمن يسأل: من المستفيد من وجود السوريين في السويد؟
الجواب بسيط…
نحن جميعاً.
سويديون ومهاجرون.
لأن المجتمع لا ينهض إلا بأناس يعرفون قيمة العمل… ويعرفون معنى الأمل.