في تطور يُعدّ الأبرز منذ سنوات في الملف السوري، تتجه الولايات المتحدة نحو طي صفحة “قانون قيصر” الذي خنق الاقتصاد السوري منذ 2020، لتفتح بذلك مساراً سياسياً جديداً، لا يخلو من القيود الثقيلة والمراجعات المستمرة لسلوك الحكومة السورية بعد التغيير السياسي في دمشق.
منعطف حاسم في واشنطن
التحول بدأ مع إقرار مجلس النواب الأميركي لمشروع قانون الدفاع لعام 2026، والذي تضمّن بنداً صريحاً بإلغاء “قانون قيصر لحماية المدنيين في سوريا”. هذا القرار يمهّد لإنهاء العقوبات الثانوية التي كانت تطال أي جهة تتعامل مع الدولة السورية، خصوصاً في قطاعات الطاقة والإنشاءات والبنوك، بانتظار تصويت مجلس الشيوخ وتوقيع الرئيس.
وبهذا التصويت، تتحول واشنطن من نهج العقوبات الشاملة إلى نهج “الرقابة السياسية المشروطة”.
إجراءات تمهيدية سبقت التصويت
قبل الوصول إلى هذه اللحظة، اتخذ البيت الأبيض عدة خطوات مهمّة:
-
الرئيس الأميركي أنهى حالة الطوارئ الخاصة بسوريا في منتصف 2025، وترافق ذلك مع رفع جزء كبير من العقوبات التقليدية.
-
وزارة الخارجية أعلنت لاحقاً تعليقاً واسعاً لمعظم عقوبات قيصر، ووسّعت الاستثناءات أمام الشركات والبنوك للتعامل مع الحكومة السورية الجديدة ومشاريع إعادة الإعمار.
كانت هذه الإشارات السياسية تعبيراً عن قناعة أميركية بأن مرحلة ما بعد النظام السابق تتطلب أدوات مختلفة عن سنوات الحرب.
لماذا كان قيصر بهذه القسوة؟
دخل القانون حيّز التنفيذ في 2020 مستنداً إلى صور وشهادات منشق عُرف باسم “قيصر”، ووُظف لاستهداف السلطة في دمشق وكل من يتعامل معها. النتيجة كانت شللاً شبه كامل في قدرة سوريا على اجتذاب التمويل والاستثمار الخارجي لسنوات، وسط انتقادات لاحقة داخل واشنطن حمّلت القانون مسؤولية تفاقم الأزمة المعيشية في البلاد.
واليوم، مع وصول قيادة جديدة إلى دمشق، تراجع الزخم السياسي الذي كان يدفع ببقاء هذا القانون.
شروط ثقيلة… أربع سنوات من المراقبة
الإلغاء لا يعني إطلاق يد دمشق، بل إخضاعها لمسار رقابي صارم يرتبط بعدة ملفات أساسية:
1. مراجعات دورية كل 180 يوماً
تُلزم الإدارة الأميركية بتقديم تقارير دورية للكونغرس لمدة أربع سنوات، لمراقبة التزام الحكومة السورية بسلوك سياسي وأمني محدد.
2. مكافحة داعش والتنظيمات المتطرفة
على دمشق أن تثبت مشاركتها الفاعلة في محاربة داعش وشبكات الإرهاب، وبالتنسيق مع جهود التحالف الدولي.
3. إبعاد المقاتلين الأجانب
الولايات المتحدة تشترط إنهاء أي دور للمقاتلين الأجانب داخل المؤسسات الرسمية، خصوصاً الجيش والأجهزة الأمنية.
4. حماية الأقليات
ربط واضح بين استمرار رفع العقوبات والتزام الحكومة بحقوق الأقليات الكردية والمسيحية وغيرها.
5. ضبط السلوك العسكري تجاه دول الجوار
واشنطن تشدد على عدم قيام دمشق بأي عمليات عسكرية أحادية قد تهدد استقرار محيطها الإقليمي.
6. التعاون في ملف الكبتاغون
القانون يشمل إجراءات منفصلة ضد شبكات تصنيع وتهريب الكبتاغون، ويطالب سوريا بالتعاون في مكافحتها.
وفي حال الإخلال بهذه الشروط، تستطيع واشنطن إعادة فرض عقوبات “انتقائية” تستهدف أفراداً وكيانات، بدلاً من العقوبات الشاملة السابقة.
كيف تبدو دمشق في مواجهة هذا التحول؟
الرواية الرسمية تحتفي بالخطوة باعتبارها ثمرة “تحرك دبلوماسي واسع” وانفتاح دولي على المرحلة الجديدة في سوريا. غير أن دمشق كانت قد رفضت صيغاً سابقة من مشاريع القوانين الأميركية التي تضمنت شروطاً أكثر صرامة، قبل أن تستقر واشنطن على النسخة الحالية ذات الطابع الأمني والسياسي القابل للتفاوض.
هل ينعش إلغاء قيصر الاقتصاد السوري؟
مؤشرات أولية ظهرت بالفعل خلال الأشهر الماضية مع بدء تخفيف العقوبات، بينها:
-
تحرك رؤوس أموال من بعض الدول الخليجية
-
عودة استثمارات محدودة
-
فتح قنوات تواصل مع مؤسسات مالية دولية
غير أن خبراء الاقتصاد يحذرون من مبالغة التفاؤل، فرفع العقوبات لا يكفي دون إصلاحات عميقة في الإدارة والحوكمة ومكافحة الفساد، إضافة إلى ضرورة بناء ثقة البنوك العالمية بأن المخاطر القانونية السابقة لم تعد قائمة.
هل انتهت القصة حقاً؟
قانونياً، لم يصبح إلغاء قيصر نافذاً بعد، إذ ينتظر مرور مشروع الدفاع عبر مجلس الشيوخ ثم توقيع الرئيس. سياسياً، ترى واشنطن أن وقت العزلة الاقتصادية الكاملة انتهى، وأن دمج سوريا تدريجياً في النظام المالي العالمي يجب أن يكون مشروطاً بسلوك واضح داخلياً وخارجياً.
ويبقى السؤال الأكبر سورياً بامتياز:
هل ستتمكن القيادة الجديدة من تحويل هذه النافذة إلى فرصة إصلاح حقيقية، أم ستضيع كما ضاعت فرص كثيرة سابقة؟
المصادر: وزارة الخارجية الأميركية – الكونغرس الأميركي (مصادر سويدية غير مذكورة في النص الأصلي)






