في مشهد أثار غضبًا واسعًا، انتشر خلال الأيام الماضية مقطع فيديو من سوريا يظهر فيه عنصر مسلح يتباهى بحمل ضفيرة شعر مجندة كردية قُتلت في المعارك، في تصرّف اعتبره كثيرون إهانة مباشرة لكرامة المرأة الكردية ورمزيتها الثقافية.
لكن الرد لم يتأخر، ولم يأتِ فقط من المنطقة، بل امتدّ إلى أوروبا… وتحديدًا إلى السويد.
تضامن رمزي من وزيرة سويدية
في خطوة لافتة، نشرت وزيرة التعليم السويدية ورئيسة حزب الليبراليين Simona Mohamsson مقطع فيديو على حسابها في فيسبوك، ظهرت فيه وهي تضفر شعرها بنفسها، موضحة أن هذه الخطوة تعبّر عن تضامنها مع النساء والفتيات الكرديات في سوريا، في ظل التصعيد العسكري والانتهاكات المتداولة.
الفيديو حظي بتفاعل واسع داخل السويد وخارجها، واعتُبر رسالة سياسية وإنسانية في آن واحد، استخدمت رمزًا ثقافيًا بسيطًا لكن بالغ الدلالة.
الشرارة: فيديو أشعل الغضب
المقطع الذي فجّر موجة الاستياء أظهر مسلحًا يرفع ضفيرة شعر مقاتلة كردية قُتلت في معارك الرقة، واصفًا الضفيرة بما يشبه “الغنيمة”، قبل أن يبرر فعلته بعبارة صادمة:
“هي ميتة على أي حال”.
بالنسبة لكثير من الأكراد، لم يكن المشهد حادثة فردية، بل اعتداءً على رمز يحمل معنى الهوية والكرامة والانتماء، خصوصًا أن الضفيرة في الثقافة الكردية ليست مجرد تسريحة شعر.
من غضب إلى ترند
خلال وقت قصير، تحوّل الغضب إلى حملة تضامن واسعة على مواقع التواصل. نساء وفتيات كرديات في سوريا والعراق وتركيا وإيران، إضافة إلى الشتات في أوروبا، بدأن بنشر فيديوهات وهنّ يضفرن شعورهن، مرفقة بعبارات مثل:
“يقطعون ضفيرة واحدة… نضفر ألفًا”.
اللافت أن المشاركة لم تقتصر على النساء، بل ظهر آباء يضفرون شعر بناتهم، في مشاهد إنسانية حملت رسالة تحدٍّ وصمود.
من رمز نسوي إلى موقف سياسي
سرعان ما اكتسبت الحملة بعدًا أوسع، لتتحول إلى رمز لمقاومة العنف والتطرّف، واستحضار لدور المقاتلات الكرديات في مواجهة تنظيم داعش.
وامتد التضامن إلى مؤسسات تعليمية وإعلامية، حيث شاركت مذيعات وسياسيات كرديات، كما أطلقت مدرسة في السليمانية حملة لتضفير شعر التلميذات تعبيرًا عن الدعم.
محاولة تراجع لم تُقنع أحدًا
تحت ضغط الانتقادات، عاد المسلح الذي ظهر في الفيديو لينشر مقطعًا آخر زاعمًا أن الضفيرة “شعرًا اصطناعيًا” وأن ما جرى كان “مزحة”.
غير أن هذا التبرير لم يصمد، إذ انتشر لاحقًا فيديو آخر للشخص نفسه وهو يعرض ضفائر مقطوعة في شوارع تل أبيض، ما أعاد إشعال الغضب والمطالبات بالمحاسبة.
لماذا الضفيرة؟
في التراث الكردي، تحمل الضفائر رمزية عميقة ترتبط بالأرض والأصل والكرامة. قصّها طوعًا كان تاريخيًا تعبيرًا عن الحزن أو الاحتجاج، أما قصّها قسرًا فيُعد إهانة مباشرة للهوية الأنثوية.
وتحضر هذه الدلالة في الموروث الشعبي والملحمي الكردي، حيث ارتبطت الضفيرة بصورة المرأة المقاتلة والصامدة، بينما اعتُبر انتهاكها كسرًا متعمّدًا للروح.
بين فيديو صادم خرج من ساحة معركة، وضفيرة مضفورة في مكتب وزاري بالسويد، تحوّل رمز بسيط إلى رسالة سياسية وثقافية عابرة للحدود… تقول إن الإهانة لا تمرّ بصمت، وإن الرموز الصغيرة قادرة أحيانًا على قول ما تعجز عنه الخطب الطويلة.






