يشهد الملف الكردي في سوريا تصاعدًا ملحوظًا في التوتر والجدل، في سياقٍ إقليمي أوسع يمتد من تركيا إلى العراق وإيران. فبين مطالب الاعتراف بالهوية والحقوق الثقافية والسياسية، وبين الطموحات القومية، تبرز الحالة السورية بوصفها الأكثر تعقيدًا واختلافًا عن باقي التجارب الكردية في المنطقة.
الاختلاف لا يتعلق فقط بالسياسة، بل بجذور الوجود نفسه: من أين جاء أكراد سوريا؟ وهل يمكن مقارنتهم تاريخيًا بأكراد العراق أو تركيا؟
جذور حديثة في الجزيرة السورية
تشير المعطيات التاريخية إلى أن الغالبية الكبرى من أكراد سوريا، ولا سيما في منطقة الجزيرة، تعود أصولهم إلى جنوب شرق تركيا. فمدن مثل القامشلي، عامودا، الدرباسية ورأس العين، تشكّل نواتها السكانية الكردية من عائلات نزحت خلال القرن العشرين من مناطق دياربكر، ماردين، أورفا، نصيبين وجزيرة ابن عمر.
هذه الهجرات لم تكن حركة توسّع قومي، بل جاءت هربًا من القمع الذي تعرّض له الأكراد بعد تأسيس الجمهورية التركية عام 1923، حين أُلغيت هويتهم، ومُنعت لغتهم، وقُمعت ثوراتهم بعنف شديد، ما دفع آلاف العائلات لعبور حدود لم تكن صارمة آنذاك باتجاه سوريا.
استثناء عفرين… وجود أقدم لكن غير حصري
في شمال غرب سوريا، وتحديدًا في عفرين وجبل الكرد، يختلف المشهد نسبيًا. فهناك يعود الوجود الكردي إلى قرون أقدم، يُرجَّح أنها تعود للعصور الوسطى، خلال فترات ما قبل العثمانيين، وربما إلى زمن الدولة الأيوبية.
غير أن هذا الوجود، رغم قِدمه، لم يكن يومًا أحادي القومية، بل نشأ ضمن بيئة تعددية تشاركت فيها مجموعات مختلفة، ما يجعله مختلفًا عن مفهوم “الأرض القومية الخالصة”.
الفرق الجوهري: الأرض التاريخية أم مكان السكن الحالي؟
في العراق وتركيا وإيران، يُعد الأكراد سكانًا أصليين لمناطقهم، إذ شكّلوا عبر آلاف السنين امتدادًا سكانيًا متصلًا في قلب جبال زاغروس–طوروس. مدن مثل أربيل، ماردين، ديار بكر، مهاباد وكرمانشاه احتفظت بطابعها الكردي رغم تعاقب الإمبراطوريات.
هذا العمق التاريخي يمنح أكراد تلك المناطق أساسًا مختلفًا لمطالب الحكم الذاتي أو الاستقلال.
أما في سوريا، فالصورة مختلفة. فمعظم الوجود الكردي في الجزيرة حديث نسبيًا (نحو قرن)، على أرضٍ عُرفت تاريخيًا بتعدد أعراقها من عرب وسريان وآشوريين وكلدان وتركمان. وحتى في المناطق ذات الوجود الأقدم، لم يكن الأكراد وحدهم أصحاب الأرض دون غيرهم.
حقوق بلا إنكار للتاريخ
هذا الفارق لا يُنقص من حق أكراد سوريا في العيش الكريم أو في الحفاظ على لغتهم وثقافتهم والمشاركة السياسية. لكنه يضع مطالبهم في سياقٍ مختلف: حقوق مدنية وسياسية داخل دولة متعددة القوميات، لا مشروع أرض قومية خالصة.
فالأرض التي ليست كردية تاريخيًا خالصة، ليست حكرًا على قومية واحدة، تمامًا كما أنها ليست حكرًا على العرب وحدهم في الدولة الحديثة.
خلاصة المشهد
الأزمة الكردية في سوريا ليست مجرد صراع هوية، بل اختبار حقيقي لإدارة التنوع والتعايش على أرض ذات تاريخ معقّد. وفهم الفارق بين العمق التاريخي للأكراد في العراق وتركيا وإيران، وبين الوجود الحديث نسبيًا في سوريا، يساعد على تصحيح الخطاب السياسي، وتجنّب المقارنات غير الدقيقة.
فما يمكن قبوله في كردستان العراق، لا يمكن إسقاطه تلقائيًا على الحالة السورية.
والتحدي الحقيقي يبقى في بناء صيغة شراكة وطنية عادلة، تحفظ الحقوق دون أن تُحمِّل التاريخ ما لم يكن فيه.






