تحولت كلمة الاندماج في السويد إلى واحدة من أكثر المفاهيم إثارة للجدل، إذ يستخدمها السياسيون بكثرة لكن نادرًا ما يتفقون على معناها. فبينما تراها الحكومة عملية متبادلة بين المجتمع والمهاجر، يصرّ زعيم حزب ديمقراطيو السويد جيمي أوكيسون على اعتبارها شرطًا للبقاء في البلاد.
في أحدث تصريحاته، أعاد أوكيسون التأكيد على موقفه الصارم قائلًا:
“من لا يريد أن يندمج في المجتمع السويدي، عليه أن يغادره.”
عبارة تعكس رؤية حزبٍ يرى أن جذور مشاكل السويد تكمن في الهجرة، وأن الحل هو الانضباط الثقافي والولاء التام للهوية السويدية. لكن السؤال الذي يغيب وسط الضجيج السياسي هو: ما الذي يعنيه الاندماج فعليًا؟
بين المفهوم الرسمي والواقع المعقد
من الناحية النظرية، الاندماج في السويد هو عملية ذات اتجاهين:
-
على المهاجر أن يتعلم اللغة، ويحترم القوانين، ويشارك في سوق العمل.
-
وعلى الدولة أن تفتح له الأبواب وتمنحه فرصًا عادلة دون تمييز.
لكن في الواقع، يواجه كثير من اللاجئين سوق عمل مغلقًا، وإجراءات سكن معقدة، ونظرة شكّ من المجتمع. فكيف يمكن لمن يُستبعد من الفرص أن يُطلب منه “الاندماج”؟
الاندماج الحقيقي لا يتحقق بالشعارات، بل عبر بناء الثقة وتكافؤ الفرص، وهو ما تفتقده السياسات السويدية أحيانًا رغم نواياها الجيدة.
أوكيسون بين الواقعية والتشدد
ورغم الانتقادات التي تطال خطابه، يلمس أوكيسون جانبًا من الحقيقة عندما يشير إلى وجود مجموعات تعيش في عزلة ثقافية شبه تامة، تحافظ على أنماط حياتها القديمة دون محاولة للانخراط في المجتمع السويدي.
لكن الخطر في خطابه أنه يحوّل الظاهرة الاجتماعية إلى اتهام جماعي بدل أن يكون دعوة للإصلاح المتبادل.
الاندماج لا يعني التخلي عن الهوية، بل أن تكون جزءًا من وطن جديد دون أن تفرض عليه ثقافتك السابقة.
من “الاندماج” إلى “عقد السويد”
النقاش اتخذ منحى رسميًا مؤخرًا مع إعلان الحكومة نيتها تطبيق ما يُعرف بـ “عقد السويد” (Sverigekontrakt)، وهو وثيقة تحدد القيم الأساسية التي يتوقع من كل مقيم الالتزام بها، مثل المساواة واحترام القانون.
ورغم أن الهدف المعلن هو توضيح مفهوم المواطنة والمسؤولية، يرى منتقدون أن الخطوة قد تتحول إلى وسيلة لتقييد الانتماء وربطه بالطاعة السياسية.
بين خطاب اليمين ورؤية الحكومة
ترى الحكومة أن الاندماج مشروع لبناء مجتمع شامل، بينما يختصره اليمين في التزام المهاجر بالقوانين دون مساءلة الدولة عن إخفاقاتها في توفير أدوات الاندماج.
وفي المنتصف، يقف اللاجئ حائرًا بين دعوات الانفتاح ومطالب الانضباط، بين من يدعوه للمشاركة ومن يطالبه بالصمت.
خلاصة القول
الاندماج ليس شعارًا انتخابيًا ولا مسألة طاعة، بل هو عقد اجتماعي غير مكتوب يقوم على الثقة والاحترام المتبادل.
على الدولة أن تمنح الفرص، وعلى اللاجئ أن يثبت استحقاقه لها.
أما الاندماج القسري أو المشروط بالتهديد، فلن يبني وطنًا مشتركًا بل سيعمّق الانقسام.
فالسؤال الأهم اليوم لم يعد: هل يندمج اللاجئون؟
بل: هل المجتمع السويدي مستعد فعلًا لأن يندمج معهم؟






