لم تعد كراهية المسلمين في السويد مجرّد نقاشات عابرة أو تعليقات غاضبة على وسائل التواصل، بل تحوّلت إلى واقع ملموس يتسلّل بهدوء من الفضاء الرقمي إلى قلب المؤسسات العامة. بلدٌ لطالما قدّم نفسه كمساحة للتعددية وحماية الحرية الدينية، يجد اليوم صورته تهتزّ أمام موجة منظّمة تستهدف المسلمين، وبشكل خاص النساء المحجبات. ما يجري لا يمكن اختزاله في “اختلاف آراء”. نحن أمام حملات مدروسة تهدف إلى إعادة رسم من يُسمح له بالظهور في المجال العام ومن يجب إقصاؤه. تحقيقات صحفية كشفت عن شبكة تعمل بشكل منهجي لإزالة صور النساء المحجبات من مواقع رسمية تابعة لهيئات حكومية وبلديات، في محاولة لفرض تصور ضيق لهوية المجتمع السويدي.
اللافت أن هذه الحملات لا تتحرك في الهامش فقط، بل بدأت تؤتي ثمارها داخل مؤسسات عامة. ففي إحدى البلديات، سُحب إعلان وظيفة في قطاع رعاية الشباب فقط لأن الصورة المرافقة أظهرت فتاة محجبة. بدل الدفاع عن قرارها، اختارت البلدية الاعتذار بحجة أن الصورة “قد تُفهم على أنها مسيئة”، من دون توضيح: مسيئة لمن؟ ولماذا؟
هذا الانصياع للضغط الرقمي يكشف جوهر المشكلة. فالمؤسسات لا تتراجع لأنها مقتنعة، بل لأنها فقدت القدرة على التمييز بين النقد المشروع وحملات الكراهية المنظّمة. خبراء في شؤون التمييز حذّروا من أن ما يحدث يقترب من تهديد مباشر للديمقراطية، لأنه يستهدف مواطنين بسبب هويتهم الدينية، ويقصيهم من الفضاء العام خطوة خطوة.
الأخطر أن الخطاب لم يعد محصورًا في مجموعات مجهولة على الإنترنت. أصوات داخل البرلمان السويدي بدأت تتحدث علنًا عن حظر الرموز الإسلامية، مستخدمة مقارنات صادمة وخطيرة. وعندما يصل هذا النوع من الخطاب إلى قبة البرلمان، يصبح السؤال الحقيقي: من يضع الحدود؟ ومن يوقف هذا الانزلاق؟
التحذيرات لم تتوقف عند الخطاب. منظمات ترصد التطرف والعنصرية نبّهت إلى أن الكراهية ضد المسلمين على الإنترنت خرجت عن السيطرة، وأن الخوف أصبح شعورًا يوميًا لدى كثير من المسلمين في السويد. هذا الخوف ليس وهمًا؛ فالإحصاءات الرسمية تشير إلى أن نسبة مقلقة من الجرائم ذات الدوافع الإسلاموفوبية، خصوصًا في المدارس، تتخذ طابعًا عنيفًا.
ثم تأتي الوقائع الأكثر إيلامًا: مساجد أُحرقت، تحقيقات أُغلقت بلا نتائج، ورسائل تهديد تُترك بجانب المصحف. من هولتسفريد إلى شمال البلاد، ومن ستوكهولم إلى مالمو، يتكرر المشهد. لم يعد السؤال إن كان هناك نمط واضح، بل لماذا لا يُسمّى هذا النمط باسمه؟
في مواجهة كل ذلك، تبدو الردود السياسية باهتة ومترددة. صمتٌ يثير القلق، في وقت كان فيه المجتمع المدني السويدي، قبل سنوات، أكثر جرأة في مواجهة العنصرية. اليوم، ذلك الصوت خافت… وربما غائب. وكأن الانحناء أصبح أسهل من الوقوف.
ترك كراهية المسلمين بلا مواجهة حقيقية ليس مجرد إخفاق أخلاقي. إنه فشل ديمقراطي صريح، ورسالة خطيرة تقول لفئة من المواطنين، بشكل مباشر أو ضمني: أنتم المشكلة. وهذا مسار لا يمكن، ولا يجب، أن يستمر في السويد.
المصادر السويدية:
-
Aftonbladet






